الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

238

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالاستقرار في قوله : هُوَ فِي شَأْنٍ ، وقدم على ما فيه متعلّقه للاهتمام بإفادة تكرر ذلك ودوامه . والمعنى : في شأن من شؤون من في السماوات والأرض من استجابة سؤل ، ومن زيادة ، ومن حرمان ، ومن تأخير الاستجابة ، ومن تعويض عن المسؤول بثواب ، كما ورد في أحاديث الدعاء أن استجابته تكون مختلفة ، وتقدم عند قوله تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] . ومعنى فِي على هذا التفسير تقوية ثبوت الشؤون للّه تعالى وهي شؤون تصرّفه ومظاهر قدرته ، كما قال الحسين بن الفضل النيسابوري : « شؤون يبديها لا شؤون يبتديها » . و يَوْمٍ مستعمل مجازا في الوقت بعلاقة الإطلاق ، إذ المعنى : كل وقت من الأوقات ولو لحظة ، وليس المراد باليوم الوقت الخاص الذي يمتد من الفجر إلى الغروب . وإطلاق اليوم ونحوه على مطلق الزمان كثير في كلام العرب كقولهم : الدهر يومان يوم نعم ويوم بؤس ، وقال عمرو بن كلثوم : وإنّ غدا وإن اليوم رهن * وبعد غد لما لا تعلمين أراد الزمان المستقبل والحاضر والمستقبل البعيد وإلا فأي فرق بين غد وبعد غد . والشأن : الشيء العظيم والحدث المهم من مخلوقات وأعمال من السماوات والأرض ، وفي الحديث « أنه تعالى كل يوم يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع أقواما ويضع آخرين » ، وهو تعالى يأمر وينهي ويحيي ويميت ويعطي ويمنع ونحو ذلك وإذا كان في تصرفه كل شأن فما هو أقل من الشأن أولى بكونه من تصرفه . والظرفية المستعملة فيها حرف فِي ظرفية مجازية مستعارة لشدة التلبس والتعلق بتصرفات اللّه تعالى بمنزلة إحاطة الظرف بالمظروف أو بأسئلة المخلوقات الذين في السماء والأرض . والمعنى : أنه تعالى كل يوم تتعلق قدرته بأمور يبرزها ويتعلق أمره التكويني بأمور من إيجاد وإعدام . ومن أحاسن الكلم في تفسير هذه الآية قول الحسين بن الفضل « 1 » لما سأله عبد

--> ( 1 ) تقدمت ترجمته عند تفسير قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [ الرحمن : 14 ] .